عدنان زرزور
79
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
ومن هنا ، فإن في وسعنا أن نقول في خاتمة المطاف ؛ تلخيصا لهذا الجانب كله ( أحوال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مع ظاهرة الوحي ) وتعقيبا عليه : إن أية دراسة نفسية تحليلية لموضوع القرآن الكريم تدلّنا على مصدره ، وعلى صدق ظاهرة الوحي . وأكتفي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الأدلة والشواهد التي يمكن أن ترد أو تلاحظ في هذا الباب : جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه الحافظ البزار أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « وقف على حمزة بن عبد المطلب - رضي اللّه عنه - حين استشهد ، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع لقلبه منه ، فنظر إليه وقد مثّل به فقال : « رحمة اللّه عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم ، فعولا للخيرات ، واللّه لولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أتركك حتى يحشرك اللّه من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما واللّه على ذلك لأمثّلنّ بسبعين كمثلتك ، فنزل جبريل - عليه السلام - على محمد صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) [ سورة النحل : 126 - 128 ] ؟ الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقف على جثة عمه حمزة وقد مثّلت بها هند . . . إنه لم يفقده أسدا هصورا يذود عن دين اللّه وعن نبيّ الإسلام فحسب . . بل فقده في هذا اليوم على هذه الهيئة التي تنمّ عن غدر قاتله وحقد من مثّلت به ، فبقرت بطنه ولاكت كبده ! ! فضاق بالنبيّ صدره ، وملكه الحزن والألم . فقال : « لأمثلنّ بسبعين كمثلتك » - ورأس حمزة لا تعدله سبعون من رؤوس القوم ، وهم الذين بدءوا العدوان أول مرة ! ! - . هذا قول النبيّ الذي يعبّر عن شعوره في ذلك الموقف الغائظ الموجع . . .